Home الزهد والرقائق فضل البلاء وجزاء الصابرين

فضل البلاء وجزاء الصابرين

تاريخ الخطبة: الجمعة 04 ذي القعدة 1430هـ/ 23 أكتوبر 2009م مكان إلقاء الخطبة: مسجد دار السلام- بودابست- المجر

عنوان الخطبة: فضل البلاء وجزاء الصابرين

الخطبة الأولى:

المقدمة: إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره .....

أما بعد: فيقول ربنا جل وعلا: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأمْوَالِ وَالأنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} (البقرة: 155-157)

أخبر تعالى أنه لا بد أن يبتلي عباده بالمحن والإحن، ليتبين الصادق من الكاذب، والجازع من الصابر، وهذه سنته تعالى في عباده؛ لأن السراء لو استمرت لأهل الإيمان، ولم يحصل معها محنة، لحصل الاختلاط الذي هو فساد، وحكمة الله تقتضي تمييز أهل الخير من أهل الشر. هذه فائدة المحن، فليس المقصود من المحنة إزالة ما مع المؤمنين من الإيمان، ولا ردهم عن دينهم، فما كان الله ليضيع إيمان المؤمنين، وإنما المقصود تمييز الطيب من الخبيث، والصادق من الكاذب.

فأخبر تعالى في هذه الآية أنه سيبتلي عباده {بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ} من الأعداء {وَالْجُوعِ} أي: بشيء يسير منهما؛ لأنه لو ابتلاهم بالخوف كله، أو الجوع، لهلكوا، والمحن تمحص لا تهلك. {وَنَقْصٍ مِنَ الأمْوَالِ} وهذا يشمل جميع النقص المعتري للأموال من جوائح سماوية، وغرق، وضياع، وأخذ الظلمة للأموال من الملوك الظلمة، وقطاع الطريق وغير ذلك.{وَالأنْفُسِ} أي: ذهاب الأحباب من الأولاد، والأقارب، والأصحاب، ومن أنواع الأمراض في بدن العبد، أو بدن من يحبه، {وَالثَّمَرَاتِ} أي: الحبوب، وثمار النخيل، والأشجار كلها، ببرد، أو حرق، أو آفة سماوية، من جراد ونحوه.

فإذا وقع البلاء انقسم الناس قسمين: جازعين وصابرين، فالجازع، حصلت له المصيبتان، فوات المحبوب، وهو وجود هذه المصيبة، وفوات ما هو أعظم منها، وهو الأجر بامتثال أمر الله بالصبر، ففاز بالخسارة والحرمان، ونقص ما معه من الإيمان، وفاته الصبر والرضا والشكران، وحصل له السخط الدال على شدة النقصان.

وأما من وفقه الله للصبر عند وجود هذه المصائب، فحبس نفسه عن التسخط، قولا وفعلا واحتسب أجرها عند الله، وعلم أن ما يدركه من الأجر بصبره أعظم من المصيبة التي حصلت له، بل المصيبة تكون نعمة في حقه، لأنها صارت طريقا لحصول ما هو خير له وأنفع منها، فقد امتثل أمر الله، وفاز بالثواب.

فلهذا قال تعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} أي: بشرهم بأنهم يوفون أجرهم بغير حساب. فالصابرون، هم الذين فازوا بالبشارة العظيمة، والمنحة الجسيمة، ثم وصفهم بقوله: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ} وهي كل ما يؤلم القلب أو البدن أو كليهما مما تقدم ذكره. {قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ} أي: مملوكون لله، مدبرون تحت أمره وتصريفه، فليس لنا من أنفسنا وأموالنا شيء، فإذا ابتلانا بشيء منها، فقد تصرف أرحم الراحمين، بمماليكه وأموالهم، فلا اعتراض عليه، ومع أننا مملوكون لله، فإنا إليه راجعون يوم المعاد، فمجاز كل عامل بعمله، فإن صبرنا واحتسبنا وجدنا أجرنا موفورا عنده، وإن جزعنا وسخِطنا، لم يكن حظنا إلا السخط وفوات الأجر، فكون العبد لله، وراجع إليه، من أقوى أسباب الصبر.

{أُولَئِكَ} الموصوفون بالصبر المذكور {عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ} أي: ثناء وتنويه بحالهم {وَرَحْمَةٌ} عظيمة، ومن رحمته إياهم، أن وفقهم للصبر الذي ينالون به كمال الأجر، {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} الذين عرفوا الحق، وهو في هذا الموضع، علمهم بأنهم لله، وأنهم إليه راجعون، وعملوا به وهو هنا صبرهم لله

فالابتلاء والامتحان، سنة الله التي قد خلت، ولن تجد لسنة الله تبديلا. فعن مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الرجل ليكون له عند الله المنزلة فما يبلغها بعمل فما يزال يبتليه بما يكره حتى يبلغه إياها". رواه أبو يعلى وابن حبان، وقال الألباني حسن صحيح. وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "عِظَمُ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ".رواه ابن ماجه والترمذي، وحسنه الألباني.

دودونك النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وانظر في ما مر به من أحوال، وما نزل به من شنيع الفعال، وما رمي به من قبيح الأقوال، مع أنه سيد ولد آدم، وأفضل الخلق، وخاتم النبيين، وإمام المتقين، ولكن كما قال عليه الصلاة والسلام لما سئل: أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: "الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الصَّالِحُونَ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ مِنْ النَّاسِ".

فقد أخرجه قومه من مرتع صباه، وأحب بلاد الله إلى الله، وكذبوه وقاتلوه، ورموه بالسحر والجنون، وخنقه من خنقه، وآذاه من آذاه من قريب وبعيد، كل هذا وهو صابر محتسب، يدعو إلى ربه جل وعلا في ثبات كثبات الجبال، بل كمثل ثباته ثبات الجبال. ثم ماذا كان بعد؟ نصره الله تعالى وأيده، ورفع قدره وعززه، وآتاه المقام المحمود، والحوض المورود، والشفاعة العظمى، وأتاه الناس راغمين وراغبين بفضل ربنا ذي القوة المتين.

فقد وطنه وداره وهذا بلاء في الأموال، وكان في قلة وعدم منعة وهذا بلاء بالخوف، وابتلاه الله تعالى في الأنفس فمات أبواه صغيرا، الأم من بعد الأب، وماتت خديجة رضوان الله عليها زوجه وكانت خير ناصر وخير معين من البشر، ومات عمه حمزة رضي الله يوم بدر، ومات أولاده من البنين والبنات في حياته صلى الله عليه وسلم ما عدا فاطمة رضي الله عنها، ومات من مات أصحابه وأحبابه بين يديه، بل وهو في الخمسين مع العمر وعلى أبواب الستين يرزق بابنه إبراهيم، ثم يقبضه الله جل وعلا، وهو صلى الله عليه وسلم صابر محتسب.

ففي الصحيحين عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي سَيْفٍ الْقَيْنِ (الحداد) وَكَانَ ظِئْرًا لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَام (رَاء أَيْ مُرْضِعًا، وَأُطْلِقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ زَوْج الْمُرْضِعَة) فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَذْرِفَانِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ (أي: وأنت يا رسول الله تسيل منك العبرة، تبكي وتدمع) فَقَالَ يَا ابْنَ عَوْفٍ: إِنَّهَا رَحْمَةٌ ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ".

إن المرء قد يهون عليه أن يفقد ماله، وقد يسهل عليه أن يفقد داره، وقد يهون عليه فقد عضو من أعضائه، ويعز عليه جدا، ويصعب عليه كثيرا أن يفقد فلذة كبده، وقرة عينه وثمرة فؤاده من أبنائه وبناته. لذلك جعل الله تبارك وتعالى جزاء الصبر على فقدان الأولاد كبيرا وعظيما.

أخرج البخاري والنسائي عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا مِنْ النَّاسِ مِنْ مُسْلِمٍ يُتَوَفَّى لَهُ ثَلَاثٌ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ". ورواه البخاري أيضا من حديث أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما.

وفي الصحيحين عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رضي الله عنه قال: جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ الرِّجَالُ بِحَدِيثِكَ فَاجْعَلْ لَنَا مِنْ نَفْسِكَ يَوْمًا نَأْتِيكَ فِيهِ تُعَلِّمُنَا مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ فَقَالَ اجْتَمِعْنَ فِي يَوْمِ كَذَا وَكَذَا فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا فَاجْتَمَعْنَ فَأَتَاهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَّمَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ ثُمَّ قَالَ: "مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمُ بَيْنَ يَدَيْهَا مِنْ وَلَدِهَا ثَلَاثَةً إِلَّا كَانَ لَهَا حِجَابًا مِنْ النَّارِ" فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْ اثْنَيْنِ قَالَ فَأَعَادَتْهَا مَرَّتَيْنِ ثُمَّ قَالَ: "وَاثْنَيْنِ وَاثْنَيْنِ وَاثْنَيْنِ". وعند الترمذي وغيره عَنْ أَبِي سِنَانٍ قَالَ: دَفَنْتُ ابْنِي سِنَانًا وَأَبُو طَلْحَةَ الْخَوْلَانِيُّ جَالِسٌ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ فَلَمَّا أَرَدْتُ الْخُرُوجَ أَخَذَ بِيَدِي فَقَالَ أَلَا أُبَشِّرُكَ يَا أَبَا سِنَانٍ قُلْتُ بَلَى فَقَالَ حَدَّثَنِي الضَّحَّاكُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَرْزَبٍ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ قَالَ اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيَقُولُ قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيَقُولُ مَاذَا قَالَ عَبْدِي فَيَقُولُونَ حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ فَيَقُولُ اللَّهُ ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ".

ففقد الأولاد من أعظم المصائب وأجل الكروب، وهنا يظهر الصابر من الجازع، والراضي من الساخط، والمحتسب من المتسخط. نسأل الله جلت قدرته وتقدست أسماؤه أن يرزقنا الرضا بقضاء، والصبر على البلاء، وأن يحسن لنا الختام أجمعين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

الخطبة الثانية:

المقدمة: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ....

أما بعد: فقد ذكر أهل التأريخ والسير أنه لما حضرت عبد الملك ابن عمر بن عبد العزيز الوفاة، ودخل عليه أبوه في مرضه فقال له: يا بني كيف تجدك؟ قال: أجدني في الحق، فاحتسبني يا أبه، فإن ثواب الله عز وجل خير لك مني، فقال: والله يا بني، لئن تكون في ميزاني أحب إلي من أن أكون في ميزانك، فقال ابنه: لئن يكون ما تحب أحب إلي من أن يكون ما أحب. فلما مات وقف على قبره، وقال: رحمك الله أي بني، لقد كنت ساراً مولوداً، وباراً ناشئاً، وما أُحب أني دعوتك فأجبتني.

عباد الله! ما زال البلاء بساحة العباد نازل، ويبتلى المرء على قدر دينه، ومن الذي حصل له غرض ثم لم يكدر. هذا آدم -عليه السلام- طاب عيشه في الجنة وأخرج منها. ونوح –عليه السلام- سأل في ابنه فلم يعط مراده، والخليل إبراهيم –عليه السلام- ابتلى بالنار، وإسماعيل –عليه السلام-ابتلي بالذبح، ويعقوب -عليه السلام- ابتلي بفقد الولد، ويوسف –عليه السلام-ابتلي بمجاهدة الهوى، وأيوب –عليه السلام- ابتلي بالبلاء، وداود وسليمان –عليهما السلام- ابتليا بالفتنة، وجميع الأنبياء على هذا. وأما ما لقي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من الجوع والأذى وكدر العيش فمعلوم. فالدنيا وضعت للبلاء، فينبغي للعاقل أن يوطن نفسه على الصبر

عباد الله! إن الله تعالى يبتلي من يشاء من عباده بأنواع من الإحن والمحن تمحيصا وتنقية، ليبلغوا أجل الغايات، وأعلى الدرجات، فيبتليهم الله تعالى بشيء من الجوع والخوف، ونقص من الأموال والثمرات والأنفس، فهذا يبتلى بفقد ماله، وآخر بضياع عقاره، وآخر بالخوف من ظالم، وغيرهم بقلة في الطعام والكسوة، وغيرهم بفقد عزيز، هذا يفقد أمه، وذاك يفقد أباه، وثالث يفقد أمه وأباه، ورابع يفقد عياله، ومن الناس من يبتلى بفقد شيخه، أو صاحبه أو حبيبه.

وهذا البلاء ظاهره ابتلاء وامتحان، وباطنه فيه الرحمة والنعمة، فكم لله من نعمة جسيمة، ومنة عظيمة تجنى من قطوف الابتلاء والامتحان. فتأمل حال أبينا آدم عليه السلام وما آلت إليه محنته من الاصطفاء والاجتباء، والتوبة والهداية ورفعة المنزلة، ولولا تلك المحنة التي جرت عليه، وهي إخراجه من الجنة وتوابع ذلك لما وصل إلى ما وصل إليه. فكم بين حالته الأولى وحالته الثانية في نهايته؟ وتأمل حال أبينا الثاني نوح ـ صلى الله عليه وسلم ـ وما آلت إليه محنته وصبره على قومه تلك القرون كلها حتى أقر الله عينه، وأغرق أهل الأرض بدعوته، وجعل العالم بعده من ذريته، وجعله خامس خمسة، وهم أولو العزم الذين هم أفضل الرسل، وأمر رسوله ونبيه محمدًا ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يصبر كصبره وأثنى عليه بالشكر فقال: {إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا} فوصفه بكمال الصبر والشكر.

وانظر إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتأمل سيرته مع قومه، وصبره في الله، واحتماله ما لم يحتمله نبي قبله، وتلون الأحوال عليه من سلم وحرب، وأمن وخوف، وغنى وفقر، وإقامة في وطنه وظعن عنه وتركه لله، وقتل أحبابه وأوليائه بين يديه، وأذى الكفار له بسائر أنواع الأذى من القول والفعل، والسحر، والكذب والافتراء عليه والبهتان، وهو مع ذلك كله صابر على أمر الله، يدعو إلى الله، فلم يؤذ نبي ما أوذي، ولم يحتمل في الله ما احتمله، ولم يعط نبي ما أعطيه، فرفع الله له ذكره، وقرن اسمه باسمه، وجعله سيد الناس كلهم، وجعله أقرب الخلق إليه وسيلة، وأعظمهم عنده جاهًا، وأسمعهم عنده شفاعة، وكانت تلك المحن والابتلاء عين كرامته، وهي مما زاده الله بها شرفًا وفضلاً، وساقه بها إلى أعلى المقامات. وهذا حال ورثته من بعده الأمثل فالأمثل، كل له نصيب من المحن يسوقه الله بها إلى كماله بحسب متابعته له. وهل وصل من وصل إلى المقامات المحمودة والنهايات الفاضلة إلا على جسر المحنة والابتلاء؟

كذا المعالي إذا ما رمت تدركها ** فاعبر إليها على جسر من التعب

عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَخْلَفَ اللَّهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا" قَالَتْ فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ: أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ؟ أَوَّلُ بَيْتٍ هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ! ثُمَّ إِنِّي قُلْتُهَا فَأَخْلَفَ اللَّهُ لِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَتْ: أَرْسَلَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ يَخْطُبُنِي لَهُ فَقُلْتُ إِنَّ لِي بِنْتًا وَأَنَا غَيُورٌ فَقَالَ أَمَّا ابْنَتُهَا فَنَدْعُو اللَّهَ أَنْ يُغْنِيَهَا عَنْهَا وَأَدْعُو اللَّهَ أَنْ يَذْهَبَ بِالْغَيْرَةِ".

والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين. وسبحان الله وبحمده، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.